قضايا وآراء

النبوءة السياسية

عوني بلال
عربي21
* "صَدَق المحللون ولو كَذَبوا".. لا أعرف محللا سياسيا يرفع شعارا كهذا بالعلن، لكني أرجِّح أن كثيرا منهم يتمتمونه بالسر. هناك حسٌّ أمومي عند المحلل تجاه نبوءاته وكأنهم أطفاله؛ إذا نجح واحدٌ منهم هلّل طويلا لنجاحه، وإذا فشل آخر، أنكر الفشل ولام الظروف وصوّر خيبةَ الولد وكأنها نجاحٌ مُقَـنّع لا يفهمه الناس.

* وُلد العلم الطبيعي كما نعرفه اليوم (بفيزيائه وكيميائه ورياضياته) مِن صُلب العِرَافة والسحر، وشاءت الأقدار ألا يكون العلم (رغم فضائله الكثيرة) ابناً بارّاً بوالده. وبمعنى مجازي ما، فقد بلغ العقوق بالعلم حداً جعله يقتل أباه بالنهاية؛ عبر التشهير بالسحر وفشله، والتفاخر عليه بالمنهج والأدوات والإنجازات. ورغم ذلك بقيَ العِرق دساساً، فملامح وجه العلم -حتى اليوم- تفضح أصله وتكشف هوية أبيه، ولا تزال فيه سمتان تعطيه أقوى ما فيه، وهما سمتان ورثهما عن السحر والكهانة: تغيير الواقع، وكشف المستقبل. ولم يكن للعلم أن ينتصر على الكهنة والمشعوذين لولا تفوقه الحاسم في هاتين الصنعتين تحديداً: تطويع الواقع (عبر تطبيقاته الهندسية والصناعية)، وكشف المستقبل (عبر التمكّن من خصائص المواد وفهم مبادئ الطبيعة).

* ليست السياسة وعلومها بعيدة عن هذا، فعلى نحو شبيه بالسحر، لعب التنجيم دورا كبيرا في سياسات القرون الوسطى، وكثيرا ما حُسمت قرارات مصيرية بسبب وضعية الأبراج في ليلة بعينها أو شطحةٍ غريبة خرج بها منجّم القصر. اليوم، يبدو وكأن علوم السياسة أطاحت بالمنجّم (تماما كما أطاحت الفيزياءُ بالساحر) ووَضعت مكانه صفا طويلا من الأكاديميين والخبراء والمحللين السياسيين. ولا شك أن هؤلاء المحترفين ملأوا مكان المنجم تماما، لكن يحق لنا التساؤل: بكم تفوقوا عليه؟ يكفي أن تتأمل في موجة الانتفاضات العربية وبدايتها المفاجئة، أو في تعثر الغزو العسكري الروسي حتى اللحظة، أو ثبات الروبل أمام طوفان العقوبات الغربية؛ يكفي التأمل في هذه (وفشل نبوءات الكثيرين عنها) حتى نتذكر أن علوم السياسة لا تزال -رغم كل المواهب التي استثمرت فيها والأعمار التي وُهبت لها-علماً غضّ الإهاب.

* قبل حوالي 200 عام أجرى الفيلسوف الإنكليزي جون ستيوارت ميل مقارنة طريفة بين نوعين من الدراسات العويصة: دراسة سلوك البشر، ودراسة الأرصاد الجوية. في ذلك الوقت، كان الرصد الجوي يعيش طفولته العلمية، وكان "طقس الغد" سراً تقف الفيزياءُ حائرة أمامه. وبهذا المعنى، فالمجالان كانا متشابهين: كلاهما عاجز -في وقتها- أمام سؤال المستقبل. لكنّ الرجل كان متفائلا هنا، وتوقع أن المجالين سيتحولان مع الوقت إلى علوم دقيقة، وأنهما قد يظفران يوماً بدُرّة تاج العلوم: بالنبوءة. تحققت عمليا نصف هذه الرؤية، وصارت الأرصاد الجوية في يومنا علما زاخرا بالنبوءات الصادقة ومعرفةً يُعتدُّ بها، لكن النصف الثاني لرؤية السيد جون ستيوارت يبدو مستعصيا حتى الساعة.

* مشاكل عديدة تواجه النبوءة السياسية، أوضحها طبعا هو تعقيد المجال. حتى أبو حامد الغزالي انتبه في زمانه لهذه الصعوبة -وإن كان لمحها من مجال موازٍ للسياسة- عندما كتب: "أحكامُ النجوم تخمينٌ محض لأنه (أي المنجّم) قد يَطّلع على بعض الأسباب ولا يحصل المسبَّب إلا بعد شروط كثيرة ليس في قدرة البشر الاطلاع على حقائقها.. فتارة يصيب في تخمينه وتارة يخطئ". والغزالي لا ينكر هنا إمكانية النبوءة الفلكية من حيث المبدأ، لكنه يشير للتعقيد القائم فيها والذي يتجاوز القدرة البشرية على التعاطي.

* في مواجهة التداخل والتعقيد، حاول كثيرون في مضمار البحث السياسي أن يتخلصوا من كابوس النبوءة نهائيا، فقرروا أن مجالهم "لا يهدف للتبصير وإنما للتفسير". هذه تخريجة ممتازة لولا إشكال واضح على الفور: كيف يمكن أن تقيّم تفسيرا سياسيا إن لم يكن مشفوعا بنبوءة ما؛ نبوءةٍ مستلة من التفسير نفسه وقائمة عليه؟ هل يبقى شيء غير "النشر في دوريات محكَّمة " معيارا لجودة التفسير؟ وهل هذا معيار موثوق حقا؟

* يكثر الحديث عن النبوءات التي تحقق نفسها. تبدو النبوءة هنا وكأنها تغش؛ يتنبأ خبير اقتصادي بقرب انهيار العملة، فتنهار المذكورة بوطأة خوف الناس من النبوءة. بالمثل تماما، هناك نبوءات تنفي نفسها، لأن مجرد طرحها يحرك القوى التي تتضرر منها لمنع حصولها، كما في نبوءات الحركات الاحتجاجية. بين هذين النوعين من النبوءات، تبرز مسألة مثيرة جدا تتعلق بالتقارب المتزايد في نتائج الانتخابات المعاصرة (51 مقابل 49)، وما إن كان ذلك مرتبطا مباشرة بتحسن قدرات التنبؤ الانتخابي. إذ تبدو الاستطلاعات قوةَ شدٍّ مستمرة تنتهي بالمتنافسين لوضع متقارب أكثر وأكثر، إلى أن يضيق الفارق بينهما عن هامش الخطأ الذي يحتمله الاستطلاع. وإن كان للمرء أن يبني على ملاحظة كهذه، فربما نغامر ونقول إنه حيثما كانت النبوءة في حدث سياسي ممكنةً مبدئيا (كما في الانتخابات) فيبدو وكأن الحدثَ يتبدّل على وقع النبوءة باتجاهٍ محدد جدا، وهو زيادة صعوبة التنبؤ. وكأننا نتحدث عن "النبوءة التي تُصعّب على نفسها". لا أعرف لأي حدٍّ يمكن فحص مقولة كهذه، لكنها حريّة بالتأمل.

* عام 1997، هُزِم بطلُ العالم في الشطرنج، غاري كاسبروف، أمام 1400 كيلوغرام من النحاس والحديد وأشباه الموصلات، في مواجهة فريدة من نوعها بين الإنسان والحاسبة. كانت هذه أول هزيمة لبطل دولي في مسابقةٍ للشطرنج أمام الذكاء الصناعي. مضى ربع قرن على تلك المواجهة، وتضاعف فارق القوة الذهنية بين الإنسان والآلة من وقتها أشواطا كثيرة جدا، وتضاعفت معه في ذات الوقت شهيةٌ سياسية وأمنية لتوظيف هذه القوة الصاعدة في استبصار التبدلات قبل حصولها، شعبيا واقتصاديا ودوليا. كلام كهذا كان مادة تسلية روائية قبل عقود، لكنه حتما لم يعد كذلك الآن، فعبر المراقبة الآلية لشبكات التواصل، تتوفر للذكاء الصناعي مادةٌ زاخرة لقياس المزاج العام، والبحث عن أنماط متكررة، وتحليلِ "شروطٍ كثيرة ليس في قدرة البشر الاطلاع على حقائقها" كما كان يشكو الغزالي. أين سيصل هذا الطغيان الآلي هو أبو الأسئلة جميعا، لأن جوابه ليس نبوءة وحسب، بل نبوءة بمستقبل النبوءات.
النقاش (0)